Chapter 9
مُحتَفَظ بها
ضاق العالم. أو أنها كبرت. لم أستطع التمييز بين الأمرين.
بدأ الأمر بليالٍ طالت. كانت ترسل السيارة عند الغسق فأنزل إليها دون سؤال، دون أن أحزم حقيبة، دون أن أخبر أحداً. كانت النافذة المظلمة تحملني إليها، يفتح الباب، وتكون هي هناك، وبقية حياتي تنطوي صغيرة وهادئة وتنتظر.
لم يعد عملي يهم. لم أفقد وظيفتي. لم يكن بوسعي ذلك. كانت الأمور تصل باستمرار، التوقيعات تُنجز، رسائل البريد الإلكتروني يُرد عليها، والاجتماعات تُعاد جدولتها، وكأن يداً خفية تعتني بآلة حياتي القديمة من بعيد. لم أسأل. لم أرغب في المعرفة. أردت الليالي.
كانت تقتات عليّ كل ليلة الآن.
ليس دائماً بالطريقة نفسها. أحياناً بسرعة، يدها في شعري، فمها على العلامات، الألم الأبيض والذهب، ثم تنسحب متماسكة، تمسح شفتيها، تتركني على أرضية أي غرفة وضعتني فيها بينما تعبر إلى النافذة أو تخرج هاتفها أو تبدأ في القراءة واضعة كتاباً في حجرها. في تلك الليالي كنت طعاماً. في تلك الليالي لم تنظر إليّ على الإطلاق، وأنا أجثو حيث سقطت وأشعر بالجوع يستقر فيّ، ولم أتحرك حتى أمرتني بالتحرك.
لكن في ليالٍ أخرى.
في ليالٍ أخرى كانت يداها ترتجفان.
كانت تبدأ بالطريقة نفسها، باردة ومتحكمة، فمها على حلقي، وأشعر باللحظة التي يتغير فيها الأمر بداخلها، الرعشة الصغيرة التي تسري في فكها، الطريقة التي تشتد بها قبضتها على كتفي متجاوزة مجرد الإمساك إلى الرغبة. وأشعر بتغير تنفسها على جلدي، غير منتظم، غير ضروري، عادة جسدية، يظهر الآن لأن شيئاً بداخلها قد أفلت من زمامه.
في تلك الليالي لم تتوقف عند الدم.
كانت تنسحب وشفتاها مبللتان وعيناها شديدتا اللمعان، وتنظر إليّ بالطريقة التي كانت تنظر بها دائماً، غاضبة وجائعة وتحاول ألا تكون أياً منهما، وتضع يدها على قمة رأسي وتضغط للأسفل. ببطء. بتعمد. وأنا أغوص.
جثوت.
جثوت أمامها ونظرت للأعلى، وبقيت يدها على رأسي وتجعدت أصابعها في شعري، وراقبت تعابير وجهها وهي تمر بشيء لا تستطيع تسميته. لم تسأل. ضغطت، فذهبت، ووجدت ركبتاي الأرض ووجدت يداي جلد فخذيها البارد، وأطلقت نفساً لم تكن بحاجة إليه، حاداً، غير ثابت، ومال رأسها للخلف.
لم أكن أعرف ما كنتُ لها في تلك اللحظات. لم أحاول أن أعرف. وضعت فمي حيث وجهته يدها، وشعرت بها ترتجف وتتفكك فوقي، وأمسكت وركيها بثبات بينما كانت تأخذ ما تريد. وعندما ينتهي الأمر كانت تسحبني من شعري وتقبل لتزيل طعم نفسها من فمي وتدفعني بعيداً وتعدل ملابسها ولا تنظر إليّ لمدة ساعة.
لم أفهم أياً من ذلك. فهمت أنها كانت بحاجة. فهمت أن هذه الحاجة كانت تخيفها. فهمت أنه مهما كنت، ومهما كان الشيء الذي في داخلي والذي جعلها ترتجف وتنزلق وتضغط وجهي إليها بكلتا يديها، لم تستطع التوقف عن العودة إليه، وعدم قدرتها على التوقف جعلها أكثر قسوة، لا لطيفة، وتقبلت القسوة لأنها كانت اللغة الوحيدة التي تملكها لما لا تستطيع قوله.
في بعض الليالي لم تكلف نفسها عناء الجثو.
كانت تأتي متأخرة وتعبر الغرفة وتدفعني بقوة حيثما كنت، السرير، الأريكة، الأرض، وتثبتني من حلقي بيد واحدة صغيرة باردة وتأخذ ما تريد بالأخرى، عيناها مغلقتان، فكها مشدود، تستخدمني بكفاءة مركزة ويائسة لا تترك مجالاً للرقة أو حتى للتفكير. كانت تنتهي بسرعة وبقوة ضدي ثم تعض ويأخذني الذهب إلى الأسفل، وأستيقظ على الأرض وقميصي ممزق وحلقي يؤلمني وهي قد رحلت.
قلت لنفسي إن ذلك يكفي. أن أكون مطلوباً. أن أكون مستخدماً. أن أكون الشيء الدافئ الذي لا تستطيع التوقف عن العودة إليه حتى لو كان يخيفها. قلت لنفسي إنه يكفي وعرفت أنه ليس كذلك، ولم أكن أعرف ما الذي سيكون كافياً لأنني لم أعد أعرف ما أريده منها سوى المزيد، المزيد من يديها عليّ، المزيد من ارتجافها، المزيد من النظرة على وجهها عندما تنزلق، والرغبة كانت تخيفني أيضاً، لأنها بدأت تشعر بأنها أقل شبهاً بالجوع وأكثر شبهاً بشيء لا أملك له كلمة.
في إحدى الليالي كانت قد وضعتني على السرير. كانت فوقي، ركبتاها على جانبي وركي، يداها مسطحتان على صدري، وكانت تتحرك ضدي وعيناها مغلقتان ورأسها مائل للخلف وفمها مفتوح، وراقبت وجهها ومددت يدي ولمست خدها.
توقفت.
فتحت عينيها. نظرت إلى يدي على وجهها وراقبت شيئاً ينهار خلف عينيها، بسرعة، كباب يرتطم، وأمسكت بمعصمي وثبتته فوق رأسي وكانت قبضتها قوية بما يكفي لتسبب كدمة.
"لا تفعل،" قالت.
"لم أكن أفعل."
"لا تفعل."
حركت معصمي إلى الفراش وأمسكته هناك ولم تتحرك مرة أخرى للحظة طويلة، وأنا أستلقي ساكناً تحتها وأشعر بنبضها تحت الجلد حيث يضغط وركها على وركي، بطيئاً، بطيئاً جداً، ووجهها فوقي كان مصدوماً ومغلقاً وغاضباً.
"لا يحق لك أن تفعل ذلك،" قالت. "لا يحق لك أن تكون لطيفاً معي. هل تفهم. هذا ليس ما هو عليه الأمر."
لم أفهم. لقد لمست وجهها. لقد لمست وجهها فقط. لكنها كانت تنظر إليّ وكأنني قلت شيئاً لا يمكن التراجع عنه، ويدها على معصمي كانت ترتجف، ورأيتها تحاول أن تجد القسوة مرة أخرى، تتلمسها، تحتاجها لتعيد الباب بيننا.
"نعم، إيلينا،" قلت.
أغمضت عينيها. أطلقت ذلك النفس الذي لم تكن بحاجة إليه. تركت معصمي.
لم تعد لثلاثة أيام بعد ذلك، وعندما عادت لم تنظر إلى وجهي، وتغذت من معصمي واقفة، وغادرت دون كلمة، وجلست في شقتي في الحياة التي أبقتها مرتبة لي وحاولت أن أفهم ما الخطأ الذي ارتكبته.
لقد لمست وجهها.
لقد كنت لطيفاً.
وقد نظرت إليّ وكأن اللطف هو الشيء الوحيد الذي لا تستطيع النجاة منه.