Chapter 15
نصف يقظة
الكوخ هو من وجده أولاً.
لم يكن كله. لم يكن دفعة واحدة. عاد إليه كما يعود الضوء إلى غرفة بعد انقطاع التيار الكهربائي: أجزاء متفرقة، غير متيقن من حدوده الخاصة، مستعداً للتصديق لبرهة أن الظلام كان هو المكان الحقيقي وأن هذا لم يكن سوى انقطاع.
خشب رطب. السرير الخشبي. ثقل الضمادات التي فسدت بالنزّ. المذاق المعدني المستقر بعمق في مؤخرة حلقه، ربما كان دمه هو أو ربما كان شيئاً تعلم دمه صنعه. المستنقع يتنفس عبر فجوات الجدران، صبوراً وهائلاً، كما كان يتنفس دائماً.
الوطن. إن كانت الكلمة لا تزال تنطبق.
استلقى ساكناً واستمع إلى أنفاسه.
كان ذلك مختلفاً.
في الحجرة، وفي كل ما حدث بعد الحجرة عند سفح جرف لم يتمكن بعد من تذكره بوضوح، كان الشيء اللامع تحت جلده خيطاً رفيعاً. خيطاً. خطاً رفيعاً لامعاً تغلغل عبر أسوأ الأضرار ولم يتجاوزها. تذكر ذلك القدر. تذكر كيف شدّت عليه كقبضة. تذكر، بشكل مبهم ودون تفاصيل، شعوراً بالاعتناء به في موته.
ما شعر به الآن لم يكن خيطاً رفيعاً.
كان في كل مكان.
ليس عليه. بل فيه. مستقر بعمق في بنية الجسد لدرجة أنه لم يتمكن من العثور على حافة له، لم يتمكن من تحديد المكان الذي ينتهي فيه نسيجه ويبدأ فيه الشيء اللامع. لقد أمسكه كما يمسك الإطار جداراً: لا يضغط، لا يؤذي بأي معنى مباشر، لكنه حاضر في كل جزء، حامل للعبء، هيكلي. أدرك، بهدوء كان يجب أن يخيفه أكثر مما فعل، أن الجسد الذي كان مستلقياً فيه لم يعد ملكه بالكامل ليستلقي فيه.
حاول أن يرفع يده.
تأملت اليد التعليمات. ثم امتنعت. ليس رفضاً. لم تكن هناك مقاومة فيها، لا صراع. فقط الطريقة الخاصة التي يمتنع بها طرف عندما يستخدمه شيء آخر في تلك اللحظة ولا يستطيع توفير الانتباه.
استلقى ساكناً وترك اليد وشأنها.
في الخارج، استمر المستنقع في حربه.
كان قد سمعها من قبل، في الصحوات السابقة: الضربات الارتجاجية ضد الجدران، صوت شيء يخدش الأخشاب، الظلال التي تعبر شقوق النوافذ بسرعة كبيرة وبزوايا لا يمكن لجسد واحد أن يديرها. كان قد أخطأ مرة وظنها مدفعية. لم يعد يرتكب ذلك الخطأ. لكنه لم يفهمها أيضاً.
كان هناك الصياد.
الشيء الشاحب الذي شقّه في المستنقع. الذي طارده لأيام قبل أن يأتي إليه عبر الماء الأسود بصمت مستحيل لشيء لا يحتاج إلى التسرع. كان هناك الآن. كان يشعر بحضوره كما يشعر بالطقس، ضغطاً ضد داخل الجمجمة بدلاً من الجلد.
وكان هناك شيء آخر.
أكثر من شيء آخر واحد. كان قد حمل جزءاً منه معه من الشمال، ذلك القدر عرفه دون أن يعرف كيف عرف، وما حمله لم يعد راغباً في البقاء صامتاً في خلفيته. الاهتمام الذي وجده في موته كان هنا أيضاً. أقرب مما كان في القطب الشمالي. مضفوراً عبر الشيء الهيكلي اللامع الذي أبقى جسده مستوياً. لم يستطع رؤيته. لم يستطع سماعه. لكنه استطاع أن يشعر به كما يشعر المرء بأن غرفة مشغولة قبل أن يستدير لينظر: ثخانة في الانتباه، جودة ثانية للظلام خلف عينيه.
لم يسمّه. فالتسمية كانت ستمنحه شكلاً لم يكن مستعداً لمنحه.
ارتجف الكوخ.
ضربة قوية أصابت الجدار الخارجي بقوة كافية لإسقاط الغبار من العوارض الخشبية. ثم جاء الخدش، طويلاً وبطيئاً، صوت شيء كبير يجر نفسه على طول الأخشاب بصبر حيوان قرر أن المبنى لن يذهب إلى أي مكان وهو كذلك. عبر ظل شق النافذة. ثم آخر. ثم ثالث تحرك بشكل خاطئ، ينحني حيث كان يجب أن ينكسر جسد ويستمر حيث كان يجب أن يتوقف جسد.
راقب الظلال ولم يستطع أن يقرر كم شيئاً كان يصنعها.
واحد. اثنان. أكثر. رفض العدد أن يستقر.
شدّ الشيء اللامع فيه مرة واحدة، انقباض داخلي قصير امتد من الصدر إلى أطراف الأصابع وعاد، ولنصف نبضة قلب بدت الظلال عند النافذة وكأنها تتوضح. لتتضح إلى حواف أنظف، وقوام أكثر حدة، كما لو أن المعدن الذي فيه أراده أن يرى ما بالخارج وكان مستعداً، لفترة وجيزة، أن يُعيره استخدام عيون أفضل.
لم يكن يريد عيوناً أفضل.
أغلق عينيه وذهب الوضوح.
عندما فتحهما مرة أخرى كانت الظلال قد خفتت وانتقل الخدش إلى الجدار البعيد، ووقف الكوخ حيث كان يقف دائماً، حقيراً وضيقاً وثابتاً بعناد فوق الماء الأسود على ركائزه.
حاول أن ينهض.
استجاب الجسد هذه المرة، لكن بالكاد. رفع كتفاً واحداً عن السرير الخشبي وتحول الشيء اللامع بداخله ليستوعب الوضعية الجديدة، تعديل داخلي سلس كان يجب أن يكون عذاباً وكان بدلاً من ذلك مجرد دفء عميق خاطئ. دار رأسه. مال الكوخ. لم يتقدم أبعد من الكتف قبل أن ينفد الجهد وغرق عائداً.
ليس بعد.
وصلت الفكرة دون صاحب واضح. ربما كانت له. ربما كانت لهم. لم يعد يستطيع التمييز بين الاثنين بوضوح، وذلك، أكثر من الجروح أو الصياد أو الأشكال عند النافذة، كان المقياس الحقيقي لما تغير.
ليس بعد. الدائرة لا تزال مفتوحة.
لم يكن لديه الكلمة لما حدث له، ولا لشكل تذكره الخاص، لكن جزءاً منه أدرك أن العودة إلى الكوخ لم تكن نهاية الممر. كان قد طفى على السطح، لكن فقط إلى المياه الضحلة. تحته كان الباقي لا يزال ينتظر: الشمال، الخرائب، الجرف، المحنة الطويلة المشرقة عند سفحه، وخلف كل ذلك الأشكال الأقدم، الشقة والفتى والدرابزين، الوعود التي قُطعت لزوج من العيون الخضراء في عالم لم يعد موجوداً بشكل صحيح. لم تنته الذاكرة منه. ستسحبه إلى الأسفل مرة أخرى قبل أن تدعه يستيقظ بجدية.
تركها تفعل.
سيكون هناك وقت للطفو على السطح لاحقاً. وقت للنهوض بشكل صحيح، ولتعلم الشكل الجديد للجسد، ولمعرفة ما يريده الشيء اللامع مقابل إبقائه حياً. وقت، حتى، لمواجهة كل ما يتحرك في المستنقع وتحديد ما إذا كان يصطاد الكوخ أو يصطاد شيئاً يحتويه الكوخ الآن.
لكن ليس بعد.
في الوقت الحالي، أمسكه السرير الخشبي، وأمسكت الضمادات السرير، وأمسكهما الشيء اللامع كلاهما، وتنفّس المستنقع أنفاسه الطويلة الصبورة عبر فجوات الجدران.
لم تكن آخر أفكاره الواضحة قبل أن يعيده الظلام إلى الصياد، ولا إلى الوجود بداخله، ولا إلى الخرائب.
عيون خضراء.
درابزين.
انزلاق سيعود، ضد كل شيء معقول.
وعد، فكر، أو تذكر أنه فكر.
ثم أغلق الظلام عليه مرة أخرى، بلطف هذه المرة، كما يغلق الماء العميق على غواص لم ينهِ غوصه بعد.