Counterpoint

Chapter 2

اللحن الكامن

لم يفارقها الحلم.

ثلاثة أيام. ذهبت إلى المتجر الخيري يوم الثلاثاء وفرزت التبرعات لمدة ست ساعات، أشياء الآخرين المهملة، معاطف ناقصة الأزرار، كتب عليها هوامش شخص آخر. اعتذرت لزبون اصطدم بها واعتذرت للمدير لأنها كانت تعترض طريقه واعتذرت لنفسها، بصمت، لكونها من النوع الذي يعتذر لنفسه بصمت لأنه يعترض طريقه الخاص.

بَقِيَت النغمة في حنجرتها. وأسفل.

لم يكن طنيناً، ولا لحناً عالقاً. بل اهتزاز استقر على حبالها الصوتية وانتقل إلى الأسفل، إلى صدرها، إلى معدتها، إلى المكان بين وركيها حيث يحتفظ الجسد بأعمق تردداته. لقد شعرت به في الممر السفلي، وهي تقف على الخرسانة والضوء الأخضر يتلاشى خلفها، وشعرت به كل ليلة منذ ذلك الحين. نبض خافت لم يكن إثارة، لم يكن إثارة بالضبط، بل كان شيئاً مجاوراً لها. شيء استخدم نفس الأعصاب ونفس الدم ولكنه جاء من مصدر مختلف، جاء من الصوت، من النغمة، من الشيء الذي أمضت حياتها كلها لا تسمعه والآن تسمعه في عظامها.

يوم الأربعاء لم تغادر غرفتها. جلست على السرير والدفتر على ركبتيها ولم تفتحه. ضغطت فخذيها معاً فجعل الضغط النبض أسوأ، ولم يكن هذا السوء غير مرحب به، وهذا عدم الترحيب هو المشكلة. كانت النغمة في جسدها. حنجرتها، صدرها، بين ساقيها. لم تكن النغمة ملكها. كانت النغمة تخص المرأة في الحلم، المرأة التي غنت النغمة الواحدة المستمرة، وكان جسد رين يتردد صداه معها بالطريقة التي يتردد بها وتر عندما تضرب الوتر المجاور له. اهتزاز تعاطفي. فيزياء، إلا أن هذه الفيزياء كانت في دمها ولن تتوقف.

يوم الخميس كان العالم خاطئاً.

لم يكن خاطئاً بطريقة يلاحظها أي شخص آخر. الحافلة سارت. المتجر فُتح. لكن تحت ضجيج المرور والرياح والحمام على سطح البنك، كان هناك صوت. لطالما سمعته، بالطريقة التي تسمع بها دمك، ولم تكن تعلم أنها تسمعه حتى أظهر لها الممر السفلي أين تستمع.

كان للمدينة لحنها الخاص. حركة المرور كانت إيقاعاً. الرياح التي تمر عبر الزقاق بجانب محل الكباب كانت نغمة مستمرة تتغير درجتها مع زاوية المباني. الحمام كان يغني، لا يهدل، نمطاً ساطعاً يتكرر. كانت هناك شجرة جميز خارج محطة الحافلات، خرسانة متشققة حول جذورها، ووقفت رين بجانبها وسمعتها. نبض خافت، بطيء، إيقاع الماء الذي يُسحب عبر حلقات الخشب. لم تهتم الشجرة إذا ما استمعت أم لا. اللحن الكامن كان يعزف طوال الوقت.

جلست في الحافلة وأمسكت علبة الكمان على ركبتيها وسمعت، عبر ضجيج المحرك والموسيقى الرقيقة الصادرة من هاتف أحدهم، تناغماً حقيقياً. كان للسماء تردد. سماء العصيدة التي نظرت إليها كل يوم من نافذتها كان لها نغمة جهيرية لم تسمعها قط ولم تستطع الآن التوقف عن سماعها. استقرت النغمة الجهيرية في جسدها بالطريقة التي استقرت بها نغمة الحلم في جسدها، خافتة، دافئة، اهتزاز لم يكن المحرك ولا الطريق بل كان العالم نفسه يطن في المكان بين وركيها.

كانت تفقد عقلها. كان هذا هو التفسير المنطقي. لم تصدق ذلك. الجنون سيكون ضجيجاً. هذا كان تأليفاً موسيقياً. وكان هذا التأليف يثيرها.

عادت إلى المنزل. نظرت إلى علبة الفيولا. فكرت في الليلة التي كتبت فيها التأليف الموسيقي، اللحن الذي وصل كاملاً، كشيء سُلّم إليها من خارج رأسها. من الخارج. أغلقت الدفتر لأنها علمت أنه جيد، والأشياء الجيدة يمكن أن تُحكم. لم تكن مستعدة بعد. لكن النغمة في حنجرتها والنغمة بين ساقيها كانت أعلى الآن، وكان التأليف هو المفتاح، ولم تستطع ألا تذهب.

لم تأخذ الكمان. أخذت الفيولا. أخذت الدفتر.

كان الممر السفلي فارغاً عند منتصف الليل. الضوء الميت كان لا يزال ميتاً. البلاط كان نفس البلاط، ملطخاً بالبول، منظفاً كيميائياً، عادياً. لكن الخرسانة طنت تحت قدميها وانتقل الطنين صعوداً عبر باطن قدميها إلى ساقيها ثم إلى فخذيها. لم يكن الطنين محايداً. كان اهتزازاً وجد الأماكن التي لا ينبغي للاهتزاز أن يجدها وبقي فيها.

فتحت الدفتر. أربع صفحات من شيء كان يطمح لأن يكون اثنتي عشرة صفحة، بل كان اثنتي عشرة صفحة بالفعل، وكان دائماً متكاملاً. كانت تستطيع سماع بقية اللحن الآن، في الهواء، في الطنين، في النبض بين ساقيها. لم يكن التأليف ملكها. كان ملك العالم. لقد كانت هي فقط من سمعه.

وضعت الفيولا على ذقنها. كانت ترتجف. ليس يديها فقط. فخذاها. بطنها. العضلات المنخفضة في حوضها، تتقلص وتسترخي بالتزامن مع طنين الممر السفلي. كان هذا التقلص إثارة حقيقية، كان جسدها يستجيب للسحر بالطريقة التي يستجيب بها الجسد لفم أو يد، إلا أن الفم كان الخرسانة واليد كانت الهواء والسحر كان يلامسها في أماكن لم تستطع هي لمسها بنفسها.

عزفت.

كانت النغمة الأولى رقيقة، خائفة. لم يفعل الممر السفلي شيئاً بها. توقفت. تنفست. فكرت في سبعة وعشرين عاماً قضتها وهي تجعل نفسها صغيرة.

فكرت: لقد سئمت من أن أكون صغيرة.

عزفت.

كانت النغمة الأولى خافتة ومظلمة ومليئة، صوت الفيولا الحقيقي، وأجاب الممر السفلي. طنت الخرسانة. أضاء الضوء الميت بلون كان أيضاً صوتاً، تردداً شعرت به في أسنانها وحلمتيها والمكان الذي تجمعت فيه الرغبة. كان الممر السفلي يغني، لا يصدح، يغني بقصد، بنفس. كان الغناء داخل جسدها، في عظامها ودمها والرطوبة بين ساقيها التي لم تستطع السيطرة عليها ولم تحاول السيطرة لأن السيطرة كانت هي الصغر وقد انتهت من الصغر.

عزفت العبارة الثانية، ثم الثالثة. تجلّى التأليف وأخذ الممر السفلي الموسيقى وأعادها. تزايد الاهتزاز في جسدها مع كل عبارة، الموسيقى تلامسها داخلياً، ضغط مستمر، العالم نفسه يضغط عليها، دافئاً وصبوراً وبلا هوادة.

انشق الحجاب.

شعرت به ينشق، بالطريقة التي تشعر بها بخياطة تنحل، ولم يعد الممر السفلي مجرد ممر سفلي. كان ترققاً، بقعة بالية في نسيج اللحن، وقد مزقها التأليف على اتساعها.

رأت المدينة متراكبة على نفسها. أبراج من الصوت، تناغمات صنعت عمارة. شوارع تتحرك بتيارات من الموسيقى المرئية، شرائط من الضوء. كانت السماء لحناً مكتوباً بالضوء وكانت تستطيع قراءته.

كان هناك سحرة. تحركوا عبر المدينة المتراكبة والتفت بعضهم لينظر إليها، وكانت عيونهم شديدة السطوع، وفهمت أنها تُرى. رنانة. اختراق. كانت الرؤية ثقلاً على جلدها، حرارة، مائة نقطة اتصال. ارتفع الرنين في جسدها بشكل حاد ولم يكن هذا الارتفاع خوفاً، ولا خجلاً. كان التعرض نفسه شيئاً حسياً، النظرة التي خشيتها طوال حياتها وصلت كتردد استقر في حنجرتها وحلمتيها وبين ساقيها وقال: أنتِ مرئية، أنتِ مسموعة، أنتِ حقيقية.

عبر المدينة المتراكبة، شخصية. طويلة. داكنة. تقف ساكنة في شارع لم يكن شارعاً، تراقبها عبر الاختراق. لم تستطع رين قراءة التعبير لكنها شعرت به، في النغمة في حنجرتها، في النبض بين وركيها، في كل عصب كان يطن لثلاثة أيام. كانت الشخصية هي المصدر. المرأة من الحلم. المرأة التي كانت نغمتها داخل جسد رين، داخل ملابسها، على جلدها، بين ساقيها. قالت النغمة 'لي' قبل أن تسمع رين الكلمة قط.

أمالت الشخصية رأسها. صبر امرأة لم تكن بحاجة للحركة لأنها كانت تعلم بالفعل كيف سينتهي هذا. كانت الشخصية قادمة. كان ينبغي أن تخاف رين. لكن الفيولا كانت تغني والعالم كان يجيب والرنين في جسدها كان موجة الآن، تتجه نحو الذروة، وعدم الوصول كان هو الاستمرار، كان العالم يمسك بها على الحافة وكان الإمساك هو المتعة والمتعة كانت السحر والسحر كان هي.

انغلق الحجاب. الطقطقة، التخلي، انتهاء التأليف. وانكسرت رين.

ليس الانكسار السحري. بل الجسدي. بلغت الموجة ذروتها. ووصل الرنين إلى أوجه وكانت الذروة هزة جماع، هزة جماع حقيقية، جسدها يتقلص وفخذاها ترتجف ونفسها ينقطع. الصوت الذي أحدثته كان صوت الفيولا، خافتاً ومظلماً، وتردد صداه في الممر السفلي والممر السفلي احتضنه.

كانت راكعة على الخرسانة. الفيولا في حجرها. الدفتر مفتوح على الأرض. ملابسها الداخلية مبتلة. فخذاها ترتجفان. التوهج اللاحق والعواقب والرعب والحرية كلها وصلت دفعة واحدة، ولم تستطع فصلها، لم تستطع أن تميز أيها السحر وأيها الجسد، لأنهما كانا واحداً، كانا دائماً واحداً. اللحن الكامن والجسد الكامن، الموسيقى واللحم، تأليف واحد، وقد عزفته للتو وقد عزفها هو، وكان العزف متبادلاً.

عادت إلى المنزل مشياً. لم تركض. كانت ساقاها غير ثابتتين ولم يكن عدم الثبات بسبب السحر وحده. مرت بشجرة الجميز ووضعت يدها على اللحاء وشعرت بالنبض، ولم يكن النبض شيئاً مقارنة بما كان لا يزال يطن في جسدها، صدى الشخصية، صدى 'لي'.

وصلت إلى المنزل وجلست على السرير والتقطت القلم وكتبت بقية التأليف، وكانت يدها ثابتة، وجسدها ساكناً، وكان السكون هو التوهج اللاحق للسحر. علمت، باليقين الذي استقر في صدرها، أن الشخصية قادمة وأن القدوم سيكون مثل الممر السفلي ولكن أقرب، أعلى صوتاً، داخلها، والداخل كان هو الأهم.

خارج النافذة كان الحمام يغني. نبض ضوء الشارع مرة واحدة، أخضر، الأخضر الذي كان شديد الخضرة، ثم انطفأ.

وضعت الدفتر على الرف. أعادت الفيولا إلى علبتها. جلست على السرير وانتظرت الشيء الذي استدعته.

لم يجعلها تنتظر طويلاً.