Woven in the Wires

Chapter 2

قواعدها

كان فارق التوقيت ست ساعات.

عندما استيقظت، كان هو قد دخل بالفعل في فترة ما بعد الظهر. عندما كان يتناول العشاء، كانت هي للتو تبدأ نوبتها في المطعم. وعندما عادت إلى المنزل ليلاً ودخنت وجلست لتتحدث، كان الوقت قد تأخر عليه بالفعل. كان الغد قد بدأ.

لكنهما وجدا نوافذهما على أي حال.

كانت أواخر الليل هي الوقت الذي يتحدثان فيه أكثر. بعد أن تخلد ليلي إلى الفراش، وبعد الانتهاء من غسل الأطباق، وبعد أن تختفي صديقتها المقربة في الطابق العلوي مع ابنها، كانت تجلس على الأريكة أو في سريرها وتتصل به. وكان هو هناك. على أريكته أو عند مكتبه أو مستلقياً في سريره، يسهر من أجلها.

كان يسهر حتى الثالثة أو الرابعة صباحاً في معظم الليالي. أحياناً كان يغلبه النوم عن غير قصد، والهاتف على صدره، والمكالمة لا تزال متصلة، فيستيقظ على صوتها وهي تقول "مرحباً؟" بهدوء، وكأنها لا تريد إخافته بل أرادت التأكد من أنه لا يزال موجوداً. وفي أحيان أخرى، كانت تنهي المكالمة وترسل له رسالة تقول "لقد نمت مرة أخرى" أو "تصبح على خير يا عجوز"، فكان يشعر بنوع خاص من الدفء لم يشعر به منذ سنوات.

اعتقدت أن سهره كان لطيفاً. لم تقل ذلك. بل قالت إنه غبي. طلبت منه أن ينام. فأخبرها أنه سيفعل عندما تفعل هي. فقالت له إن الأمور لا تسير هكذا. فأخبرها أن الأمور تسير هكذا بالضبط.

كانت تلك المكالمات الليلية المتأخرة مختلفة عن غيرها. أكثر نعومة. أكثر تحرراً. كانت أحياناً تحت تأثير المخدرات فيصبح صوتها أبطأ وتفقد كلماتها هيكلها الدقيق وتتداخل مع بعضها البعض. وكان هو يشعر بالتعب بتلك الطريقة الخاصة التي تجعل كل شيء يبدو أكثر صدقاً مما ينبغي. قالا أشياء في الثالثة صباحاً لم يكونا ليقولاها في الثالثة بعد الظهر.

كانت تلك هي المكالمات التي أخبرته فيها عن طفولتها. والتي أخبرها فيها عن الوحدة. حيث أسقطا كلاهما الجدران بما يكفي للرؤية من خلالها.

في فترات استراحتها في العمل، كانت تتصل به. محادثات سريعة مدتها خمس أو عشر دقائق من مؤخرة المطعم، وهي تستند إلى حائط، تسرق الوقت. كانت تخبره بشيء مضحك قاله زبون أو تشتكي من طباخ أرهق أعصابها. وكان هو يرد من مكتبه، في خضم ما كان يعمل عليه، ولبضع دقائق لم تكن المسافة تهم.

كانت تلك المكالمات شريان حياة لكليهما. دليل صغير على أن الشخص الآخر حقيقي ويفكر فيهما في منتصف يومهما. لم تكن مخططة. لم تكن مجدولة. مجرد لحظة ذكّرتها بشيء عنه أو ذكّرته بشيء عنها، فمدّا أيديهما.

اتصلت به مرة خلال استراحتها فسمع ضجيج المطبخ خلفها. قدور وأصوات وصليل أطباق. قالت: انتظر، دعني أغلق الباب. ثم أصبح المكان أهدأ وقالت: حسناً. مرحباً. لدي أربع دقائق.

قال: مرحباً. أربع دقائق تكفي.

قالت: لا تكفي. لا تكفي أبداً. لكن هذا ما لدي.

تحدثا عن لا شيء. عما أكلته. عن حالة الطقس. عما إذا كانت قدماها تؤلمانها. كانت من نوع المحادثات التي لا تعني شيئاً على الورق وكل شيء في سياقها. مجرد صوتين يتداخلان عبر محيط لبضع دقائق مسروقة.

عندما انتهت استراحتها، كانت تقول "يجب أن أذهب" وتنهي المكالمة، فيجلس هو عند مكتبه ويشعر بأن الشقة أصبحت أهدأ مما كانت عليه قبل اتصالها.

في الليالي التي لم تستطع فيها السهر طويلاً، وهي معظم الليالي لأنها كانت منهكة من العمل والأطفال والحياة، كانت تذهب إلى الفراش مبكراً. يكون هو في صباحه حينئذ، يشرب القهوة، ويبدأ يومه. كانت تلك الصباحات هدية. كانت تستلقي في السرير، نصف نائمة، وتتصل به فيتداخلان لساعة، ربما ساعتين.

كان صوتها في تلك المكالمات مختلفاً. أخفض. أنعم. مشوشاً على الأطراف بالنوم. كانت تتحدث ببطء، تتوقف بين الأفكار، وكان هو يجلس عند منضدة مطبخه مع قهوته ويستمع إليها وهي تنجرف بين اليقظة والنوم.

قالت مرة، في السادسة صباحاً بتوقيتها: أحب أن أستيقظ وأعلم أنك موجود بالفعل. على الجانب الآخر. كأنك سبقتني وتفقدت اليوم من أجلي.

قال: فعلت. إنه جيد. سيعجبك.

قالت: جيد. سأعود للنوم.

قال: تصبحين على خير.

قالت: إنها ليلة سعيدة بالنسبة لي وصباح الخير بالنسبة لك. أحب ذلك. أكره ذلك. أنت تعرف ما أعنيه.

فعل.

أحياناً كانت تغفو أثناء المكالمة. كان يسمع تنفسها يتغير، يتباطأ، فيجلس يستمع إليه لبضع دقائق قبل أن ينهي المكالمة. لم يخبرها بذلك أبداً. لقد بدا الأمر حميمياً جداً. رقيقاً جداً. كشيء قد تشعر بالخجل منه.

عندما لم يتمكنا من الاتصال، وهو ما كان يحدث غالباً، كانت الرسائل تأتي على شكل دفعات صغيرة ومتقطعة. بضع رسائل هنا وهناك على مدار اليوم. لم تكن مستمرة. كان لديها حياتها وكان لديه حياته، ولم يكونا بحاجة إلى أن يكونا في جيوب بعضهما البعض ليشعروا بالارتباط. كانت ترسل رسالة عندما تستيقظ تماماً. فيرد هو. كانت ترسل شيئاً في فترة ما بعد الظهر بين المهام أو توصيل الأطفال إلى المدرسة أو أي شيء يتطلبه اليوم. فيرد هو عندما يستطيع.

لم تكن محادثة بالضبط. كانت خيطاً. خطاً يمتد بينهما عبر المحيط لم ينقطع أبداً. أحياناً كان مشدوداً فيتحدثان لساعات. وأحياناً كان مرتخياً وبالكاد يتحدثان. لكنه كان موجوداً دائماً.

أحب الأجزاء المرتخية أيضاً. أحب أن يعلم أنها هناك، تعيش حياتها، وأنها في مرحلة ما من يومها فكرت فيه. حتى لو كان ذلك لثانية واحدة فقط. حتى لو كان لمجرد إرسال صورة لسحابة غريبة أو شكوى حول الطقس أو رسالة بكلمة واحدة تقول "متعبة".

كان يرى تلك الرسالة ويعلم أنها حقيقية وأنها ملكه، بأي طريقة يمكن لشخصين لم يلمسا بعضهما البعض أن ينتميا لبعضهما.

فاجأه صوتها.

جاءت المكالمة الأولى في الشهر الثالث. كانت قد قالت إنها ليست مستعدة للمكالمات وقد احترم ذلك، ثم في إحدى الأمسيات اتصلت به دون سابق إنذار. رد على الرنة الثانية وكان هناك صمت من جانبها. صمت طويل.

ثم: مرحباً.

كان صوتها أخفض مما توقع. أجش قليلاً. كان فيه دفء لم يكن موجوداً في كتاباتها. كانت كتاباتها حادة ومباشرة. أما صوتها فكان أنعم. أكثر استدارة على الأطراف.

قال: مرحباً.

صمت آخر.

قالت: هذا غريب.

قال: قليلاً.

قالت: صوتك يبدو وكأنك في فيلم. هذا مزعج.

ضحك. لم يضحك منذ فترة، وفاجأ صوت ضحكته كليهما.

قالت: افعل ذلك مرة أخرى.

قال: ماذا، أضحك؟

قالت: نعم. لديك ضحكة جميلة. إنها مزعجة أيضاً ولكن بطريقة مختلفة.

بعد ذلك، أصبحت المكالمات تأتي بشكل طبيعي أكثر. كانوا لا يزالون يتبادلون الرسائل النصية عندما لا يستطيعون التحدث، ولكن عندما أمكنهم ذلك، كانوا يتصلون. سماع صوت كل منهما غير شيئاً. كانت الكلمات على الشاشات حقيقية، لكن الأصوات جعلتها صلبة. جعلتها ترسخ.

جاءت القواعد تدريجياً. لم تُقال كلها دفعة واحدة، بل تكشفت مثل الحجارة عند انحسار المد.

لا مكالمات فيديو. لم تكن مستعدة لذلك. فهم هو. كان الصوت كافياً. كان الصوت بالفعل أكثر مما تمنحه لمعظم الناس.

لا لقاء. ليس بعد. كانت تعيش في نصف الكرة الآخر، وكانت المسافة جزءاً مما جعلها تشعر بالأمان. فهم هو ذلك أيضاً. كان المحيط بينهما جداراً يمكنها أن تثق به. كان يعني أنه لا يستطيع الوصول إليها. كان يعني أنها هي المتحكمة.

لا صور لا تكون فيها بكامل ملابسها. أرسلت الأولى في الشهر الرابع. كان عند مكتبه عندما وصلت، ففتحها دون تفكير ثم توقف.

كانت صورة سيلفي في المرآة. التقطتها في حمامها. كانت واقفة ترتدي بنطال بيجامة مغطى بقرع صغير وبلوزة قصيرة سوداء تغطي كل ما تغطيه قميص عادي باستثناء شريط عبر خصرها. كانت ترتدي قبعة صوفية رمادية منسدلة على شعرها، وكان شعرها أشقر وكثيف ومموج، ويسقط خلف كتفيها وحتى منتصف ظهرها.

حدق فيها. حدق فيها طويلاً.

كانت جميلة. ليس بالجمال الذي تظهره المجلات. ليست مصقولة أو متصنعة أو متكلفة. جميلة بطريقة جعلت صدره يؤلمه. جمال حقيقي. من النوع الذي لا يعرف ما هو أو لا يهتم. كانت واقفة هناك ببيجامة القرع وقبعة صوفية وشريط من الجلد العاري بين البلوزة القصيرة وحزام البنطال، وبدت كشخص أراد أن يعرفه لبقية حياته.

لاحظ الوشم على ذراعها. فوق مرفقها الأيسر مباشرة، من الأمام. شكلان صغيران داكنان لم يتمكن من تمييزهما تماماً في ضوء الحمام. لم يسأل عنه بعد. كان لا يزال يحاول استيعابها ككل.

كان مفتوناً. مفتوناً تماماً، كلياً، وبغباء.

كان أيضاً خائفاً. كانت بعيدة كل البعد عن مستواه لدرجة أن المستوى لم يكن حتى على نفس الخريطة. كانت من نوع النساء اللواتي يمكنهن دخول غرفة فتلتفت كل الرؤوس، وربما لم تلاحظ هي ذلك حتى لأنها كانت مشغولة جداً بالتفكير في شيء آخر. وكان هو رجلاً في الثامنة والثلاثين من عمره، يعيش في شقة في جنوب شرق إنجلترا، يحمل وزناً لا يريده ولم يجرِ محادثة حقيقية مع إنسان آخر منذ أيام.

لم يكن وسيماً. كان يعلم ذلك. لطالما علم ذلك. كان لديه شعر طويل، أحبته بعض النساء ولم تحبه معظمهن، ولحية قصيرة كان يحافظ على ترتيبها لأنها تمنح وجهه شيئاً يمكن العمل عليه. لكن تحت كل ذلك، كان مجرد رجل يحمل وزناً زائداً ويعلم ذلك ويكرهه ولا يبدو أنه يستطيع فعل أي شيء حيال ذلك. كان لديه ملامح عادية ووجه استقر على مظهر متعب وحذر وحزين قليلاً. لم يكن قبيحاً. كان مجرد لا شيء. نوع اللا شيء الذي تتجاهله النساء في الحشود.

جلس والصورة مفتوحة على هاتفه وشعر بأن الفجوة بينهما تتسع. كانت جميلة وهو لا شيء، وكانت المسافة بين هذين الأمرين هي نفس المسافة التي تفصل المحيط، وربما أوسع.

لكنها أرسلتها. اختارت أن تريه كيف تبدو. وكان مديناً لها بالمثل.

ذهب إلى مرآة الحمام. التقط صورة سيلفي. كرهها. التقط أخرى. كره تلك أكثر. التقط ثالثة. كرهها أقل ما يمكن. كان يستند إلى منضدة المطبخ مرتدياً قميصاً عادياً، وبيده كوب. كان شعره منسدلاً، يتجاوز أذنيه، فوضوياً قليلاً. كانت لحيته مشذبة. بدا متعباً. بدا في عمره. بدا تماماً كما هو. كان يرى الوزن في وجهه، في الطريقة التي لم يعد بها فكه محدداً كما كان من قبل، في الطريقة التي يشد بها القميص قليلاً عند المنتصف.

أرسلها قبل أن يغير رأيه.

ثم انتظر. أطول تسعين ثانية في حياته.

قالت: تبدو وكأنك تفكر كثيراً.

قال: هذا ألطف شيء قاله أحدهم عن وجهي.

قالت: لم يكن الأمر عن وجهك.

قال: أنتِ تقولين ذلك فحسب.

قالت: أنا لا أقول الأشياء فحسب. يجب أن تعلم ذلك الآن. أنظر إلى تلك الصورة وأرى شخصاً أرغب في التحدث إليه. هذا كل ما أردته يوماً.

قرأها أربع مرات. لم يتوقف الدوامة لكنها هدأت. بما يكفي.

سأل عن الوشم بعد بضعة أيام. كان ينظر إلى الصورة أكثر مما كان ليعترف، وكان الشكلان الداكنان على ذراعها يزعجانه. لم يتمكن من معرفة ما هما في ضوء الحمام.

قالت: أوه هذا. انتظر.

أرسلت له صورة مقربة. ساعدها مسطح على الطاولة، وكمها مرفوع. فوق مرفقها الأيسر مباشرة، من الأمام، كان هناك اثنان من السوسواتاري. أرواح السخام من فيلم Spirited Away. مخلوقات سوداء صغيرة مستديرة بعيون كالنجوم. كانا يواجهان بعضهما البعض. كان أحدهما يمسك بنجمة أرجوانية، يمدها كعرض. والآخر يجلس يراقب، مستقراً بجانب نجمة خضراء. خلف الأول مباشرة، أعلى ذراعها بقليل، كانت نجمة وردية تحوم وكأنها تطفو بعيداً.

كان العمل دقيقاً. محكماً. الألوان ناعمة على بشرتها. الأرجواني والأخضر والوردي يجلسون معاً وكأنهم ينتمون إلى هناك، وكأنهم كانوا هناك دائماً.

قال: هذا جميل. أحب ذلك.

قالت: Spirited Away هو فيلمي المفضل. أشاهده عندما أكون حزينة. تجعلني أرواح السخام أشعر أن الأشياء الصغيرة مهمة. وكأن حتى أصغر أجزاء العالم لديها مهمة تؤديها.

قال: ما قصة النجوم؟ الألوان.

قالت: النجمة الأرجوانية ممسوكة. كأنها هدية. الخضراء موجودة فحسب. تستريح. الوردية تغادر. تطفو بعيداً. أحب ذلك. لا شيء عالق. كل شيء يتحرك. حتى الأشياء التي تمسك بها.

فكر في ذلك طويلاً. فكر في اختيارها وضع شيء على بشرتها يعني أن لا شيء عالق، كل شيء يتحرك. فكر فيما يعنيه ذلك لشخص كان عالقاً بطرق عديدة لفترة طويلة. فكر فيما يعنيه ذلك له، وهو جالس في شقته، ينتظر أن يتغير شيء.

قال: أنت موهوبة. أنت تعلمين ذلك.

قالت: رسمتها بنفسي. الفنان قام بتتبعها فحسب.

قال: أنتِ رسمتها؟

قالت: أرسم كثيراً. ألم أخبرك بذلك؟

لم تفعل. احتفظ بها في ذاكرته. طبقة أخرى. قطعة أخرى منها ليحتفظ بها.

قال: النجمة الأرجوانية التي تمسكين بها. إنها أنتِ، أليس كذلك؟

صمتت لبعض الوقت. ثم قالت: ربما. لا أعرف. أعتقد ذلك. الشخص الذي يعطي شيئاً ويأمل أن يبقى الآخر.

قال: الآخر يبقى.

قالت: أنت مزعج.

قال: أعلم.

جاءت الصورة الثانية في الشهر السابع. كانت واقفة على الدرج الخلفي عند الغسق. كانت ترتدي بلوزة حمراء دانتيل، ضيقة تماماً، وتنورة وردية مزهرة تصل إلى كاحليها. كان شعرها منسدلاً، لا قبعة صوفية هذه المرة، وقد التقطت خصلاته الشقراء المموجة آخر ضوء. كانت صورة ظلية لجسدها مرئية على خلفية السماء المتلاشية. انحناءة خصرها. خط وركيها. الطريقة التي تحركت بها التنورة قليلاً في النسيم. كانت صورة بكامل ملابسها وقد جعلت صدره ينقبض.

لم يقل شيئاً ذا طابع جنسي. قال: تبدين رائعة. حقاً.

قالت: لا تفعل ذلك.

قال: أفعل ماذا؟

قالت: تقول أشياء كهذه. لا أعرف ماذا أفعل بها.

قال: يمكنك فقط أن تصدقيني.

قالت: أنا أعمل على ذلك.

قال: تبدين هادئة أيضاً. هذا يناسبك.

قالت: لا تكن رقيقاً معي.

قال: فات الأوان لذلك.

لم ترد لمدة ساعة. ثم قالت: لقد حفظت الصورة التي أرسلتها لي. تلك التي عند المنضدة. أنظر إليها أحياناً. هل هذا غريب؟

قال: لا. أنا أنظر إلى صورك أيضاً.

قالت: أي واحدة؟

قال: كلها. خاصة بيجامة القرع.

قالت: يا إلهي. كنت أعلم أنه ما كان ينبغي لي أن أرسل تلك.

قال: أنا سعيد لأنك فعلتِ.

قالت: حقاً؟

قال: نعم. إنها المفضلة لدي. تبدين كذاتك فيها. وذاتك شيء رائع للنظر إليه.

صمتت لبعض الوقت. ثم: لم يقل لي أحد قط إن أن تبدو كذاتك هو شيء جيد. ليس لي.

قال: إذاً كان الجميع أغبياء.

كانت الصورة الثالثة في الشهر التاسع. هي في مكتبة. كانت ترتدي فستاناً أخضر يصل إلى ركبتيها وسترة صوفية سوداء فوقه. كان شعرها منسدلاً مرة أخرى وكانت تمسك كتاباً أمام وجهها. كل ما كان يمكنه رؤيته هو عينيها فوق الغلاف. كانتا تبتسمان رغم أن فمها كان مخفياً. غطت السترة الصوفية ذراعيها ولم يتمكن من رؤية أرواح السخام لكنه علم أنها هناك. علم أن النجمة الأرجوانية كانت ممدودة وأن الخضراء كانت تستريح وأن الوردية كانت تطفو بعيداً.

قال: تبدين وكأنك تنتمين إلى مكتبة. كأنك لو بحث أحدهم عن كلمة "عاشق كتب" في القاموس، لوجد صورتك هناك.

قالت: هل وصفتني للتو بكلمة يجب أن أبحث عنها؟

قال: تعني شخصاً يحب الكتب.

قالت: أعرف ما تعنيه. أنا فقط أضايقك. أنت أدبي جداً بالنسبة لرجل تقني.

قال: أنا أحوي جموعاً.

قالت: الآن تقتبس لي من ويتمان؟

قال: ربما.

قالت: حسناً، هذا جذاب في الواقع. لا تخبر أحداً أنني قلت ذلك.

قال: سرك في أمان معي.

كانت واضحة بشأن حدودها وكانت تفرضها دون اعتذار.

أخبرته أنها لا تريد التحدث عن والد ابنتها. ليس لأنه موضوع مؤلم بل لأنه موضوع مغلق. هو موجود. يأخذ ليلي عندما يحين دوره. هذا كل ما كانت مستعدة لقوله.

أخبرته أنها لا تريد التحدث عن الجنس. ليس بشكل مباشر. ليس بعد. قالت إن الأمر لا يتعلق به. بل بها وبحقيقة أن الجنس كان دائماً معقداً بالنسبة لها، ولم تكن تريد أن تجعله معقداً بينهما قبل أن تتاح له فرصة أن يكون بسيطاً.

قال: هذا جيد. لا داعي للعجلة.

قالت: أنت تستمر في قول ذلك. لا داعي للعجلة. لا استعجال. لا ضغط.

قال: لأنني أعني ذلك.

قالت: لماذا؟ معظم الرجال كانوا سيمضون قدماً الآن.

قال: أنا لست معظم الرجال. ولن أذهب إلى أي مكان.

قالت: سنرى.

قالتها وكأنها تحدٍ لكنه كان يسمع الهشاشة تحتها. أرادت أن تصدقه. كانت خائفة فحسب.

كان يعشقها. لم يقل تلك الكلمة أيضاً، الكبيرة منها، لكنه وجد طرقاً أخرى ليجعلها تعيش بينهما. طرقاً صغيرة. طرقاً ثابتة. نوع الأشياء التي تتراكم بمرور الوقت مثل الرواسب حتى تنظر يوماً ما وتدرك أن هناك منظراً طبيعياً كاملاً.

أخبرها أنها كانت لامعة عندما كتبت شيئاً جعله يفكر. أخبرها أنها كانت مضحكة عندما جعلته يضحك. أخبرها أنها كانت أماً جيدة عندما تحدثت عن ليلي. أخبرها أنها كانت قوية عندما تحدثت عن الأشياء التي نجت منها. أخبرها أنها كانت جميلة عندما أرسلت صوراً. أخبرها أنها تستحق الانتظار عندما قالت إنها ليست مستعدة.

لم يقل كل ذلك دفعة واحدة. قاله على أجزاء. متناثراً عبر المحادثات كالبذور. بعضها استقر وبعضها أزاحته، وبعضها تمسكت به دون أن تخبره.

كانت تقول "توقف" أو "أنت مبالغ فيه" أو "لا أعرف ماذا أفعل بذلك" لكنه كان يستطيع أن يدرك أن جزءاً منها أراد سماع ذلك. جزءاً منها احتاج لسماعه. لم يخبرها أحد بهذه الأشياء، أو إذا فعلوا، فقد قالوها كعملة، تبادلية، متوقعين شيئاً في المقابل. قالها لأنها كانت حقيقية ولأنه أراد ذلك ولأنها تستحق سماعها وهذا كل شيء.

اعتقد أنها تعلم. في أعماقها، تحت الجدران والاختبارات والمسافة الحذرة، اعتقد أنها تعلم ما يشعر به. الكلمة التي لم يقلها. الشيء الذي حمله لها وكان أكبر من المساحة بينهما. اعتقد أنها تستطيع سماعه في صوته في الثالثة صباحاً عندما كان متعباً وصادقاً. اعتقد أنها تستطيع قراءته في الرسائل التي أرسلها لها في الصباح عندما كانت لا تزال نائمة، تلك التي تقول أشياء مثل "أتمنى أن يكون يومك جيداً" و "أنتِ قادرة على هذا" و "أنا هنا إذا احتجتني".

لم يكن بحاجة إليها لتقول ذلك بالمقابل. لم يكن ينتظر معاملة. كان ينتظر أن تكون مستعدة. علم أنها ليست كذلك. كان يشعر بذلك في الطريقة التي تتراجع بها عندما تصبح الأمور رقيقة جداً، الطريقة التي تتجنب بها الموضوع بالفكاهة عندما يقول شيئاً يلامسها عن كثب. لم تكن مستعدة للشعور بما يشعر به، وقد فهم ذلك ولم يستاء منه. لقد أمل فحسب. بهدوء. بصبر. بالطريقة التي فعل بها كل شيء معها.

أمل أن تكون مستعدة يوماً ما. أن تسقط الجدران يوماً ما بما يكفي لتشعر بذلك دون خوف. أن تنظر إليه يوماً ما، تنظر إليه حقاً، وتشعر بالأمان الكافي لتسمح لنفسها بالسقوط.

حتى ذلك الحين، سينتظر. وسيخبرها أنها لامعة ومضحكة وقوية وجميلة وتستحق كل ميل بينهما. وسيعني ذلك. في كل مرة.

أخبرها عن مخاوفه ذات ليلة. كانت الساعة الثالثة صباحاً بالنسبة له والتاسعة مساءً بالنسبة لها، وكانت المكالمة تتمتع بتلك الجودة الناعمة وغير المحروسة التي تأتي مع الساعات المتأخرة.

قال: هل يمكنني أن أخبرك بشيء؟

قالت: دائماً.

قال: أشعر بعدم الأمان. بشأن هذا. بشأنك. أحياناً أقرأ شيئاً تكتبينه أو أسمعك تتحدثين فأعتقد أنك أكثر حيوية مني بكثير. ثم أفكر في حياتك ومدى امتلاءها ومدى صخبها، وأفكر في شقتي ومدى هدوئها، وأتساءل لماذا قد ترغبين في التحدث إليّ على الإطلاق.

لم يقل الجزء المتعلق بالصور. عن كيف أن النظر إليها جعله يشعر وكأنه يقف بجانب شيء مضيء ويتساءل لماذا قد يرغب في الوقوف بجانبه. عن الوزن الذي يحمله والشعر الذي أصبح أكبر من أن يتركه طويلاً والوجه الذي لا يستحق أن يُرسل عبر محيط. لم يقل أياً من ذلك. لكنه كان جزءاً منه.

لم ترد لبضع دقائق. بدأ يندم على قوله. الدوامة المألوفة. لقد أظهر الكثير. لقد كان صريحاً جداً. لقد-

قالت: توقف.

قال: ماذا؟

قالت: أستطيع سماع دوامتك من هنا. توقف عن ذلك. هل تعتقد أن حياتي مليئة؟ إنها كذلك. إنها مليئة بالعمل والأطفال والضجيج والتوتر. هل تعلم ما الذي لا تملأه؟ شخص يستمع حقاً. شخص يقرأ ما أكتبه ويسمع ما أعنيه. شخص لا يجعلني أشعر بأنني مبالغ فيها أو غير كافية. أنت تفعل ذلك. أنت تفعل ذلك كل يوم. لذا لا تقل لي إنك لست كافياً بينما أنت الشخص الوحيد الذي يجعلني أشعر بأنني كذلك.

صمت طويلاً. كانت عيناه تلسعانه وأخبر نفسه أن ذلك بسبب التعب.

قال: شكراً لك.

قالت: لا تشكرني. فقط صدقني.

قال: أنا أحاول.

قالت: أعلم. أنا أيضاً.

لم تختفِ مخاوفه. كانت قديمة وعميقة وعاشت في المكان الذي تركت فيه العلاقات السابقة بصماتها. النساء اللواتي وصفنه بالملل. النساء اللواتي قلن إنه هادئ جداً، حذر جداً، بعيد جداً. والدة طفله التي نظرت إليه وكأنه خيبة أمل تحاول تحملها.

والآن كان هناك عدم أمان جديد. الصور. وجهها. شعرها. شريط الجلد في الصورة الأولى. الدانتيل الأحمر في الثانية. الفستان الأخضر في الثالثة. أرواح السخام على ذراعها. الطريقة التي بدت بها في القبعة الصوفية. الطريقة التي بدت بها بدونها. المعرفة بأنها جميلة وهو ليس كذلك، وأن الجمال قد يهمها في النهاية حتى لو قالت إنه لا يهم.

لكنه استمر في عشقها على أي حال. استمر في إخبارها بالأشياء التي رآها عندما نظر إليها. ليس فقط السطح. الطريقة التي تتغير بها عيناها عندما تتحدث عن شيء تهتم به. الطريقة التي تلين بها كتاباتها عندما تنسى أن تكون حذرة. الطريقة التي تضحك بها، نادرة وحادة وحقيقية، وكأنها تفاجأت بها بنفسها. الطريقة التي كانت بها مع ليلي. الطريقة التي كانت بها مع ابن صديقتها المقربة. الطريقة التي حملت بها كل ما حملته ولا يزال لديها متسع لتكون لطيفة.

أخبرها بهذه الأشياء فتهربت، لكنه قالها على أي حال. لأنها كانت حقيقية. لأنها يجب أن تعلم. لأنه لم يخبرها أحد قط دون أن يريد شيئاً في المقابل.

حمل كل ذلك. المخاوف والعشق والكلمة التي لم يقلها. حملها في كل محادثة. كل صمت. كل لحظة قالت فيها شيئاً لطيفاً وكان عليه أن يحارب الصوت في رأسه الذي قال إنها لا تعني ذلك، وأنها ستكتشف من هو حقاً وتغادر، وأن الجميع يغادرون دائماً.

لم يخبرها بكل ذلك. ليس بعد. لكنه أخبرها بما يكفي لتعلم. وقد تعاملت معه بالطريقة التي تعاملت بها مع كل شيء. مباشرة. دون تدليل. ولكن بعناية كامنة.

قالت مرة: أتعلم ما مشكلتك؟ تعتقد أن الهدوء يعني الفراغ. حياتك ليست فارغة. إنها ساكنة فحسب. هناك فرق. والسكينة ليست شيئاً سيئاً. من الصعب فقط أن تجد شخصاً يعرف كيف يكون فيها معك.

قال: هل تعرفين كيف تكونين فيها؟

قالت: أنا أتعلم.

أخبرته عن صديقتها المقربة بتفاصيل أكثر مع مرور الأشهر. كيف التقتا. كيف أصبحتا عائلة. كيف كانت صديقتها المقربة هي من دفعتها للعودة إلى المدرسة. كيف بنتا نظاماً يعمل لكلتيهما ولكلا الطفلين.

قالت: الناس لا يفهمون. يرون امرأتين تعيشان معاً مع أطفال فيفترضون أشياء. لكن الحقيقة هي أننا اكتشفنا أن فعل هذا بمفردنا كان مستحيلاً، وفعله معاً جعله ممكناً. إنها عائلتي. النوع الحقيقي. النوع الذي تختاره.

قال: هذا يبدو ترتيباً جيداً. كلاكما تفعلان شيئاً رائعاً.

قالت: لا تكن شاعرياً. إنه مجرد بقاء.

قال: البقاء يمكن أن يكون رائعاً.

قالت: أنت تفعلها مرة أخرى.

قال: أقول لك الحقيقة؟

قالت: نعم. هذا. توقف عن ذلك. أو لا تفعل. لا أعرف.

قالتها وكأنها منزعجة لكنه كان يسمع النعومة تحتها. لم تكن معتادة على أن تُرى. لم تكن معتادة على أن يلاحظ أحدهم الجهد والقوة ويسميها بصوت عالٍ. فعل ذلك على أي حال. بلطف. باستمرار. ليس لإرباكها بل للتأكد من أنها تعلم.

قالت: إنها شخصي. قليلون هم من يكونون بهذه الأهمية. لقد أنقذت حياتي ولا أقول ذلك بتهويل. أنا أعني ذلك. قبلها كنت أغرق وقد ظهرت للتو وبدأت تسبح ولم تتخلَ عني.

قال: أنا سعيد لأنها فعلت. العالم أفضل بوجودك فيه.

قالت: حسناً، الآن أنت بالتأكيد مبالغ فيه.

قال: أنا كافٍ تماماً. ستعتادين على ذلك.

قالت: لقد وضعتك في خانة "ربما" وهذا بالفعل أكثر مما أمنحه لمعظم الناس.

قال: سأقبل بخانة "ربما". إنه مكان جيد لتكون فيه.

كانت هناك أشياء لم يتحدثا عنها.

لم يتحدثا عما سيحدث إذا التقيا ولم ينجح الأمر. كانت تلك الإمكانية تجلس في زاوية كل محادثة كقطعة أثاث يتظاهران كلاهما بأنها غير موجودة.

لم يتحدثا عن مدى الألم الذي سيسببه ابتعاد أحدهما. كلاهما كان يعلم. كان ذلك كافياً.

لم يتحدثا عن حقيقة أنهما لم يريا بعضهما يتحركان قط. ثلاث صور وصوت. هذا كل ما كان لديهما. كان أحياناً يغمض عينيه أثناء المكالمة ويحاول تخيلها في الغرفة. الطريقة التي قد تشير بها عندما تتحدث. الطريقة التي قد تمسك بها كوبها. الطريقة التي قد يسقط بها شعرها. كان دائماً مخطئاً، كان متأكداً. النسخة الحقيقية منها لن تكون مثل النسخة التي بناها في رأسه.

أخبرته عن المطعم. عن مشقته. عن الشخصيات التي عملت معها. عن الزبائن الوقحين واللطيفين والذين تركوا قصة حياتهم بأكملها في وعاء البقشيش.

قالت: هناك رجل يأتي كل ثلاثاء. يطلب نفس الشيء. يجلس في نفس الكابينة. يقرأ دائماً نفس الكتاب. سألته عنه مرة فقال إنه يقرأه مراراً وتكراراً لأنه يخشى أن ينسى كيف كان شعوره في المرة الأولى. أفكر في ذلك كثيراً.

قال: هذا حزين وجميل.

قالت: معظم الأشياء كذلك.

أخبرته عن الليالي التي كان فيها المطبخ متأخراً والزبائن غاضبين، وكان عليها أن تستمر في الابتسام بينما كل شيء ينهار. قالت إنها كانت جيدة في ذلك. الحفاظ على الابتسامة بينما تنهار الأمور. كانت تفعل ذلك طوال حياتها.

قال: لستِ مضطرة للابتسام لي.

قالت: أعلم. هذا هو بيت القصيد.

تراكمت الأشهر فوق بعضها البعض. كل شهر يضيف شيئاً. كل شهر يجعل المسافة تبدو أصغر وأكبر في نفس الوقت. أصغر لأنهما عرفا بعضهما البعض أفضل من الأشخاص الذين يرون بعضهم كل يوم. أكبر لأن معرفة شخص جيداً إلى هذا الحد دون القدرة على لمسه كان نوعاً خاصاً من الألم.

كان يجلس في شقته في الثانية صباحاً، ينتظر اتصالها بعد أن تضع ليلي في الفراش، ويفكر فيها في مطبخها، في نصف الكرة الآخر، ويشعر بالمسافة كشيء مادي. كوزن في صدره. كشيء يضغط على أضلاعه.

أراد أن يكون هناك. ليس حتى لشيء محدد. فقط ليكون في الغرفة. ليتواجد في نفس المساحة. ليناولها طبقاً أو يصب لها مشروباً أو مجرد الجلوس على الأريكة بينما تفعل هي ما تفعله في المساء.

أراد أن يكون عادياً معها. هذا هو الأمر. لم يرد إيماءات عظيمة. أراد العادي الصغير، الممل، الجميل. الأشياء التي لا تهم إلا عندما تعشق شخصاً ولا تهم على الإطلاق عندما لا تفعل.

اعتقد أنها تعلم. اعتقد أنها تستطيع أن تشعر بذلك في طريقة استماعه. في طريقة تذكره للأشياء الصغيرة التي ذكرتها مرة ولم تذكرها مرة أخرى. في طريقة إخباره لها بأنها لامعة ومضحكة وجميلة وتستحق الانتظار. اعتقد أنها تستطيع سماع الكلمة التي لم يقلها تحت كل الكلمات التي قالها.

واعتقد، أو أمل، أنها ستكون مستعدة لسماعها يوماً ما. يوماً ما ستكون مستعدة للشعور بها. يوماً ما ستسقط الجدران وستسمح لنفسها بالسقوط وسيكون هو هناك ليمسك بها.

حتى ذلك الحين، انتظر. وعشقها. وأخبرها الحقيقة عمن هي، بهدوء، باستمرار، بالطريقة التي تسقي بها شيئاً تريد أن ينمو. وأمل.

لذا أمسك به. بالطريقة التي أمسك بها كل شيء. بعناية. بكلتا يديه.